فخر الدين الرازي

13

تفسير الرازي

والباقون بالكسر ، فالضم للاتباع ، والكسر على أصل الحركة لإلتقاء الساكنين . المسألة الثانية : اضطر : أحوج وألجئ ، وهو افتعل من الضرورة ، وأصله من الضرر ، وهو الضيق . المسألة الثالثة : لما حرم الله تعالى تلك الأشياء ، استثنى عنها حال الضرورة ، وهذه الضرورة لها سببان أحدهما : الجوع الشديد ، وأن لا يجد مأكولا حلالا يسد به الرمق ، فعند ذلك يكون مضطراً الثاني : إذا أكرهه على تناوله مكره ، فيحل له تناوله . المسألة الرابعة : أن الاضطرار ليس من أفعال المكلف ، حتى يقال إنه * ( لا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) * فإذن لا بد ههنا من إضمار وهو الأكل والتقدير : فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه والحذف ههنا كالحذف في قوله : * ( فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ) * ( البقرة : 184 ) أي فأفطر فحذف فأفطر وقوله : * ( فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة ) * ( البقرة : 196 ) ومعناه فحلق ففدية ، وإنما جاز الحذف لعلم المخاطبين بالحذف ، ولدلالة الخطاب عليه . أما قوله تعالى : * ( غير باغ ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال الفراء * ( غير ) * ههنا لا تصلح أن تكون بمعنى الاستثناء ، لأن غير ههنا بمعنى النفي ، ولذلك عطف عليها لا لأنها في معنى : لا ، وهي ههنا حال للمضطر ، كأنك قلت : فمن اضطر باغياً ، ولا عادياً فهو له حلال . المسألة الثاني : أصل البغي في اللغة الفساد ، وتجاوز الحد قال الليث : البغي في عدو الفرس اختيال ومروح ، وأنه يبغي في عدوه ولا يقال : فرس باغ ، والبغي الظلم والخروج عن الإنصاف ومنه قوله تعالى : * ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) * ( الشورى : 39 ) وقال الأصمعي : بغي الجرح يبغي بغيا ، إذا بدأ بالفساد ، وبغت السماء ، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد ، وبغي الجرح والبحر والسحاب إذا طغى . أما قوله تعالى : * ( ولا عاد ) * فالعدو هو التعدي في الأمور ، وتجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه ، يقال عدا عليه عدوا ، وعدوانا ، واعتداء وتعديا ، إذا ظلمه ظلماً مجاوزاً للحد ، وعدا طوره : جاوز قدره . المسألة الثالثة : لأهل التأويل في قوله : * ( غير باغ ولا عاد ) * قولان أحدهما : أن يكون قوله * ( غير باغ ولا عاد ) * مختصاً بالأكل والثاني : أن يكون عاما في الأكل وغيره ، أما على القول الأول ففيه وجوه الأول : * ( غير باغ ) * وذلك بأن يجد حلالاً تكرهه النفس ، فعدل إلى أكل الحرام